قسمة التركة: من حصر الورثة إلى القسمة، وما الذي يعطّلها؟
تقع الوفاة، ثم يأتي السؤال بعد أسابيع أو بعد سنين: كيف نقسم؟ والجواب ليس قرارًا واحدًا بل تسلسلًا؛ فالقسمة آخر حلقة في سلسلة، ومن بدأ بها قبل ما يسبقها عاد من حيث أتى.
وما يأتي ترتيب هذا التسلسل بحسب نظام الأحوال الشخصية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/73) وتاريخ 1443/8/6هـ، ونظام المعاملات المدنية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/191) وتاريخ 1444/11/29هـ، مع بيان الأوصاف التي تُخرج القسمة من الباب الرضائي إلى المحكمة.
ترتيب الحقوق — والقسمة في آخره
التركة في المادة (السابعة والتسعين بعد المائة) من نظام الأحوال الشخصية هي «ما يخلفه الإنسان بعد موته من الأموال والحقوق المالية». ثم تضع المادة (الثامنة والتسعون بعد المائة) ترتيبًا لا يُقدَّم ولا يُؤخَّر: «تجهيز الميت بالمعروف. قضاء الديون، ويقدم منها ما كان متعلقاً بعين من التركة. تنفيذ الوصية. قسمة ما يبقى من التركة على الورثة».
فالدين قبل الوصية، والوصية قبل القسمة. ومن قسّم ثم ظهر دين على المورث لم يسلم من أثره؛ فالمادة (الثلاثون بعد الستمائة) من نظام المعاملات المدنية تنص على أنه «إذا ظهر دين على الميت بعد قسمة التركة لزم كل واحدٍ من الورثة نصيبه من الدَّين في الحصة التي آلت إليه من التركة».
والوصية تنفذ من التركة بعد إخراج نفقات تجهيز الميت وأداء ديونه، بنص المادة (الحادية والسبعين بعد المائة). وحدّها في المادة (التسعين بعد المائة): «تنفذ الوصية إذا لم تزد على (ثلث) التركة. وإذا زادت الوصية على (الثلث)، فيوقف ما زاد على إجازة الورثة وينفذ منه بقدر نصيب من أجازها منهم».
من يستحق ومن يُمنع
المادة (التاسعة والتسعون بعد المائة) تشترط لاستحقاق الإرث: وفاة المورث حقيقةً أو بحكم قضائي، وحياة الوارث بعد موت مورثه حقيقة أو تقديرًا، ووجود سبب الإرث وانتفاء موانعه.
والموانع منصوص عليها لا متروكة للتقدير:
- القتل: المادة (المائتين) تمنع إرث من قتل مورثه عمدًا عدوانًا أو شبه عمد، فاعلًا أصليًّا كان أو شريكًا، ومن تسبب أو أمر بالقتل عدوانًا أو شبه عمد. ومن قتل مورثه خطأً يرث من التركة دون الدية.
- الفرقة بين الزوجين في الحياة تمنع التوارث، إلا في حالتين بيّنتهما المادة (الأولى بعد المائتين): إذا كان الطلاق رجعيًّا فيتوارثان ما دامت المرأة في العدة، وإذا طلق الرجل في مرض الموت دون طلب من المرأة فترثه ما لم تتزوج قبل وفاته.
- اختلاف الدين: لا توارث معه بنص المادة (الثانية بعد المائتين).
- المادة (الثالثة بعد المائتين): «لا توارث بين الموتى إذا كان موتهم في وقت واحد، أو لم يعلم المتقدم وفاةً منهم».
الخطوة الأولى: وثيقة حصر الورثة
لا تُباشر قسمة ولا إفراغ قبل تحديد من هم الورثة وأنصبتهم في وثيقة رسمية. وخدمة إصدار حصر الورثة في وزارة العدل موصوفة رسميًّا بأنها «خدمة إلكترونية تتيح للمستفيد إصدار وثيقة حصر الورثة، وتشتمل على بيانات المورث والورثة وأنصبتهم».
وتُقدَّم عبر منصة التركات بالدخول بالنفاذ الوطني الموحد، وتتضمن بيانات مقدم الطلب وبيانات المتوفى وبيانات تحديد الورثة وبيانات الورثة وبيانات الشهود.
ومن هنا يأتي أول موضع للتعثر العملي: الشهود. فالطلب يحتاج شهودًا على تحديد الورثة، وجمعهم يستغرق من الوقت أكثر مما يتوقع الطالب، ولا سيما إذا كان الورثة في مدن متعددة. وتجهيز هذا البند مبكرًا يختصر الدورة كلها. ويمكن التحقق من وثيقة صادرة سابقًا عبر خدمة الاستعلام عن وثيقة حصر الورثة.
القسمة بالتراضي — ومتى يتعذر الباب الرضائي
إذا اتفق الورثة فالطريق أقصر. والمادة (السادسة والعشرون بعد الستمائة) من نظام المعاملات المدنية تنص على أنه «إذا اتفق جميع الشركاء على القسمة صحت ولو أنقصت منفعة المال أو قيمته». فالاتفاق يسوّغ ما لا يسوّغه الإجبار.
لكن توثيق القسمة الاتفاقية لدى كاتب العدل مقيّد. فالمادة (الحادية عشرة) من نظام التوثيق — بفقرتها المعدّلة بالمرسوم الملكي رقم (م/21) وتاريخ 1447/1/26هـ — تجعل من اختصاصه «قسمة الأموال الشائعة – بما فيها العقار – إذا لم يكن فيها نزاع، أو حصة وقف أو وصية، أو عديم الأهلية أو ناقصها، أو غائب».
فالأوصاف الأربعة التي تُخرج القسمة من يده: نزاع قائم، أو حصة وقف أو وصية، أو وارث عديم الأهلية أو ناقصها، أو وارث غائب. وتؤكد المادة (الثانية عشرة) من النظام نفسه — بنصها المعدّل — أن كاتب العدل لا يختص بتوثيق أي إقرار أو عقد يكون أحد طرفيه عديم الأهلية أو ناقصها أو غائبًا أو ناظر وقف أو وصية، إلا في حالات محددة.
مثال افتراضي: تركة فيها عقار واحد، والورثة متفقون على القسمة، وفيهم من لم يبلغ سن الرشد. فالاتفاق قائم لكن الباب الرضائي لدى كاتب العدل مغلق لهذا الوصف وحده، والطريق المحكمة المختصة. ومن أخّر معرفة ذلك إلى الموعد أخّر الملف شهورًا بلا سبب.
القسمة القضائية — وما تنتهي إليه
المادة (السابعة والعشرون بعد الستمائة) من نظام المعاملات المدنية تجعل لمن يريد الخروج من الشيوع أن يطلب القسمة القضائية، «ما لم يوجد اتفاق أو نص نظامي يمنع من ذلك أو يتبين من الغرض الذي خصص له المال أنه يجب أن يبقى دائمًا على الشيوع».
وإذا طلب أحد الشركاء القسمة وامتنع الباقون فالمادة (الثامنة والعشرون بعد الستمائة) ترسم مسارين: إن كان المال «قابلًا للقسمة عينًا دون أن يترتب على ذلك تعطل الانتفاع به أو نقصٌ كبيرٌ في قيمته قَسَمتْه المحكمة»، وإن ترتب على القسمة أحد الأمرين «أمرت المحكمة ببيع المال في المزاد».
وهذه نقطة يحسن بيانها للورثة من أول الملف: العقار الذي لا يقبل التجزئة دون تعطيل انتفاعه أو نقص كبير في قيمته مصيره البيع في المزاد وتقسيم ثمنه، لا تقسيمه قطعًا.
وللمادة نفسها استثناء يستعمله من لا يريد المزاد: إذا كان طالب القسمة يستطيع بيع حصته بما لا يقل عن قيمتها لو بيع المال كاملًا فلا يُلزم الشركاء بالبيع في المزاد، وللشركاء — إذا ترتب على بيع الحصة نقصان قيمتها — أن يتوقوا المزاد بأن يؤدوا لطالبها مقدار ما يلحق حصته من نقص بسبب بيعه إياها منفردة.
الدائن والقسمة
المادة (التاسعة والعشرون بعد الستمائة) تعطي لدائن أي شريك أن يعترض على أن تتم القسمة أو أن يُباع المال في المزاد بغير إدخاله، بالتدخل أمام المحكمة في القسمة القضائية، أو بإبلاغ كل الشركاء بالاعتراض في القسمة الاتفاقية، وعلى الشركاء إدخاله وإلا كانت القسمة غير نافذة في حقه. ويجب في جميع الأحوال إدخال الدائن المقيّد حقه قبل رفع دعوى القسمة القضائية أو إبرام القسمة الاتفاقية.
وإذا تمت القسمة فليس للدائن الذي لم يتدخل أن يطعن فيها إلا في حال الغش.
بعد القسمة — الغبن والاستحقاق
القسمة الاتفاقية ليست محصّنة. فالمادة (الحادية والثلاثون بعد الستمائة) تجيز نقضها «إذا أثبت المتقاسم أنه قد لحقه منها غبن»، ثم تضع قيدًا زمنيًّا صريحًا: «ويجب أن ترفع الدعوى خلال السنة التالية للقسمة». وللطرف الآخر توقي النقض بأن يكمل للمتقاسم نقدًا أو عينًا ما يرفع عنه الغبن.
وإذا استحق المقسوم كله أو بعضه لسبب سابق على القسمة، فللمتقاسم الذي استحق نصيبه أو بعضه الرجوع بضمان ذلك على بقية المتقاسمين كلٌّ بنسبة حصته، والمعتبر في التقدير قيمة الشيء وقت القسمة، وفق المادة (الثانية والثلاثين بعد الستمائة).
التخارج — حين يريد وارث الخروج بعوض
التخارج في المادة (الثالثة والأربعين بعد المائتين) من نظام الأحوال الشخصية هو «الاتفاق على ترك بعض الورثة أو الموصى له نصيبه من التركة أو بعضه في مقابل شيء معلوم منها أو من غيرها»، وتوجب المادة توثيقه أمام الجهة المختصة وفق الإجراءات المنظمة لذلك.
ويجوز التخارج إذا كانت التركة معلومة لجميع المتخارجين، أو مجهولة وتعذر العلم بها في مدة قريبة عادة، وتحدد المحكمة هذه المدة بحسب طبيعة المال محل التخارج ومكانه ومقداره. وإذا كانت الجهالة يمكن العلم بها في مدة قريبة عادة وتم التخارج قبل العلم، «جاز لمن جهل منهم الحال طلب إبطال التخارج»، بنص المادة (الرابعة والأربعين بعد المائتين).
فالتخارج قبل حصر التركة ليس اختصارًا للوقت؛ هو باب لإبطاله لاحقًا.
ما الذي يعطّل القسمة فعلًا؟
- عدم إصدار وثيقة حصر الورثة، أو إصدارها ببيانات ناقصة تحتاج تصحيحًا.
- دين على المورث لم يُحصر، فالقسمة لا تسبق قضاء الدين في ترتيب الحقوق.
- وصية لم تُنفّذ أو زادت على الثلث ولم يُحسم أمر إجازة الورثة لها.
- وارث غائب أو ناقص الأهلية أو عديمها، فيخرج الملف من الباب الرضائي.
- حصة وقف أو وصية في المال المشترك.
- نزاع قائم بين الورثة ولو على جزء من التركة.
- عقار لم تُستكمل إجراءات صكه الشرعية والنظامية، فالإفراغ لا يتم قبلها.
ما يُجهَّز
- شهادة الوفاة.
- بيانات جميع الورثة كاملة، وبيانات الشهود المطلوبين لحصر الورثة.
- حصر لأصول التركة: عقارات وصكوكها، وحسابات، ومركبات، وحصص في شركات، وحقوق مالية للمورث على الغير.
- حصر للديون على المورث، وما كان منها متعلقًا بعين من التركة.
- الوصية إن وُجدت، ونسختها الموثقة.
- بيان من هو غائب أو ناقص الأهلية من الورثة، وما يلزم في شأنه.
الخلاصة
قسمة التركة إجراء تسلسلي: تجهيز، فديون، فوصية، فقسمة. ومن قدّم القسمة على ما قبلها فتح على نفسه بابًا للرجوع عليه.
والسؤال الذي يُحسم في أول الملف لا في آخره: هل في الورثة غائب أو ناقص أهلية؟ وهل في المال حصة وقف أو وصية؟ وهل ثمة نزاع؟ فإن كان الجواب نعم في واحد منها فالطريق المحكمة المختصة من البداية، ولا معنى لمحاولة الباب الرضائي.
المصادر الرسمية
روابط إلى الجهات الرسمية، تُفتح في نافذة جديدة
أسئلة حول هذا الموضوع
تطالب بها التركة. ولا يتحمل الورثة الدين من أموالهم الخاصة لمجرد الإرث. وإذا ظهر الدين بعد قسمة التركة رجع على كل وارث بقدر نصيبه في حدود ما آل إليه منها ما لم يوجد التزام شخصي مستقل.
المصدرنظام المعاملات المدنية — المادة 630 (بوابة وزارة العدل)
للتوسعقسمة التركة: من حصر الورثة إلى القسمة، وما الذي يعطّلها؟
نعم. النشوز ليس من موانع الإرث التي نص عليها النظام. فإذا توفي الزوج والزوجية قائمة ورثت الزوجة نصيبها الشرعي ولو كان بينهما نزاع سابق في النفقة أو النشوز. أما الذي يمنع التوارث بين الزوجين في الأصل فهو الفرقة بينهما في الحياة.
المصدرنظام الأحوال الشخصية — المواد 199 إلى 203 (بوابة وزارة العدل)
للتوسعقسمة التركة: من حصر الورثة إلى القسمة، وما الذي يعطّلها؟
يتوقف ذلك على نوع الطلاق. فإن كان رجعيًا توارث الزوجان ما دامت المرأة في العدة. وإن كان بائنًا فالأصل أنه يمنع التوارث. ويستثنى من ذلك أن يطلقها الرجل في مرض الموت دون طلب منها فترثه ما لم تتزوج قبل وفاته.
المصدرنظام الأحوال الشخصية — المادة 201 (بوابة وزارة العدل)
للتوسعقسمة التركة: من حصر الورثة إلى القسمة، وما الذي يعطّلها؟
لا في الأصل. فالنظام يرتب الحقوق المتعلقة بالتركة فيبدأ بتجهيز الميت بالمعروف ثم قضاء ديونه ويقدم منها ما تعلق بعين من التركة ثم تنفيذ الوصية ثم قسمة الباقي على الورثة. وإذا قسمت التركة ثم ظهر دين على الميت لزم كل وارث نصيبه منه في حدود الحصة التي آلت إليه من التركة.
المصدرنظام الأحوال الشخصية — المادة 198 (بوابة وزارة العدل)نظام المعاملات المدنية — المادة 630 (بوابة وزارة العدل)
للتوسعقسمة التركة: من حصر الورثة إلى القسمة، وما الذي يعطّلها؟
هذا المقال معلومات عامة للتثقيف القانوني، ولا يقوم مقام دراسة الوقائع والمستندات في حالة بعينها، ولا تنشأ بقراءته علاقة توكيل.
استشر في هذا الموضوعأو راسل الرقم مباشرة: 0558987102
واتساب