الدعوى التجارية: ما الذي يُجهَّز قبل القيد، ومتى يفوت وقت الدفع؟
صاحب منشأة يتصل وقد تأخر عميله عن سداد مستحقات أعمال منجزة. يسأل سؤالًا واحدًا: متى أرفع الدعوى؟ والسؤال الأنفع له: ما الذي يجب أن يكون جاهزًا قبل القيد؟ لأن نظام المحاكم التجارية يرتب على التأخر في تقديم الطلبات والدفوع والمستندات أثرًا لا يُعالَج بعد فواته.
هذا المقال يبيّن تسلسل الدعوى التجارية من الإخطار إلى الحكم، وما يُجهَّز في كل مرحلة، وأين تضيع الفرص. والمرجع نظام المحاكم التجارية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/93) وتاريخ 1441/8/15هـ.
قبل القيد: إخطار ومهلة خمسة عشر يومًا
في الدعاوى التي تحددها اللائحة لا يُقبل التوجه إلى المحكمة مباشرة. فالمادة (التاسعة عشرة) من النظام تنص على أنه «يجب في الدعاوى التي تحددها اللائحة أن يخطر المدعي المدعى عليه كتابة بأداء الحق المدعى به قبل (خمسة عشر) يومًا على الأقل من إقامة الدعوى».
وأثر ذلك عملي: من أراد القيد غدًا فقد فاته الموعد. ومن أخطر بمكالمة هاتفية أو برسالة شفهية لا يملك ما يثبت الإخطار. فالإخطار يكون كتابة، ويُحفظ ما يثبت وصوله.
وتتيح المادة نفسها لأطراف التعامل التجاري قبل القيد وتحت إشراف المحكمة إجراءات المصالحة والوساطة، وتبادل المستندات والمذكرات، وعقد اجتماع لتحديد الطلبات والدفوع والبينات. وهذا باب يُستعمل قليلًا وهو أنفع من كثير من الجلسات.
الصحيفة: حصر الطلبات وتحديد جميع الأسانيد
المادة (العشرون) تشترط أن تتضمن صحيفة الدعوى «بيانات الأطراف وممثليهم وصفاتهم وعناوينهم» و«حصر الطلبات، وتحديد جميع أسانيد الدعوى». وتنص على أنه «لا يجمع في صحيفة الدعوى بين عدة طلبات لا رابط بينها».
وكلمة «حصر» هي موضع الخطأ المتكرر. فمن كتب طلبًا مفتوحًا بصيغة «إلزام المدعى عليه بما يثبت في ذمته» لم يحصر طلبًا. والمبلغ يُحدَّد، وأصل الدين يُفصل عن ملحقاته، وكل طلب يُسند إلى مستنده.
مثال افتراضي: منشأة نفّذت ثلاث مراحل من مشروع وتريد قيمة المرحلتين الأخيرتين، ولديها خلاف آخر مع العميل في عقد توريد مستقل. فجمع المطالبتين في صحيفة واحدة يعرّضها لعدم القبول عن أحدهما. والأصل فصل ما لا رابط بينه.
القيد وعدم الاستيفاء: مهلة وتظلّم
تقيّد الإدارة المختصة الصحيفة إذا كانت مستوفية. وإذا قررت عدم القيد لعدم الاستيفاء فللمادة (الحادية والعشرين) ثلاث فقرات تهم طالب القيد:
- على طالب القيد استيفاء ما نقص «خلال (خمسة عشر) يومًا من تاريخ إبلاغه بذلك»، فإن لم يستوفِ «عُدَّ الطلب كأن لم يكن».
- إذا قُيدت الدعوى بعد الاستيفاء «عُدَّت مقيدة من تاريخ تقديم طلب القيد» لا من تاريخ الاستيفاء، وهذا يحفظ أثر التاريخ.
- له التظلم لدى رئيس المحكمة من عدم القيد «خلال (خمسة عشر) يومًا من تاريخ إبلاغه بعدم القيد»، وقرار رئيس المحكمة في ذلك نهائي.
متى يفوت وقت الدفع؟
هذا أهم ما يغفل عنه المدعى عليه. فالمادة (الثانية والعشرون) تلزمه بأن يودع لدى المحكمة «مذكرة بدفاعه مشتملة على جوابه على الدعوى وجميع دفوعه، وتحديد طلباته وجميع أسانيده، وذلك قبل الجلسة المحددة لنظر الدعوى بيوم واحد على الأقل».
فالدفوع تُبدى مجتمعة في المذكرة الأولى لا على دفعات. ومن احتفظ بدفع شكلي ليفاجئ به خصمه في جلسة متأخرة قد يجد أنه حرم نفسه منه.
ويترتب على التخلف عن تقديم ما طُلب في الميعاد دون عذر أثر منصوص: للمحكمة بموجب المادة (السادسة والعشرين) فرض الغرامة المنصوص عليها في المادة (الثالثة عشرة) — وهي غرامة لا تتجاوز عشرة آلاف ريال — أو «عدم قبول الطلبات العارضة أو المقابلة من الطرف الذي تخلف عن التقديم».
وللدفع بعدم الاختصاص النوعي حكم خاص: المادة (الثامنة عشرة) تجيز للمحكمة أن «تفصل استقلالًا في الدفع بعدم الاختصاص النوعي في مدة لا تتجاوز (عشرين) يومًا من تاريخ الدفع». ومن أراد هذا الدفع فمحله المذكرة الأولى.
خمس سنوات من نشوء الحق
المادة (الرابعة والعشرون): «فيما لم يرد به نص خاص، لا تسمع الدعاوى التي تختص بنظرها المحكمة بعد مضي (خمس) سنوات من تاريخ نشوء الحق المدعى به، ما لم يقر المدعى عليه بالحق أو يتقدم المدعي بعذر تقبله المحكمة».
والعبرة بتاريخ نشوء الحق لا بتاريخ آخر مطالبة. ومن تردد سنوات في المطالبة اعتمادًا على وعود شفهية قد يجد المدة قد مضت. وإقرار المدعى عليه بالحق يغيّر الحال، ولذلك فإن انتزاع إقرار مكتوب ولو جزئي أثناء المفاوضات أنفع من محاضر اجتماعات مجاملة.
الإثبات: لا شكل خاص للالتزام
كثير من أصحاب المنشآت يظن أن غياب العقد المكتوب يُسقط المطالبة. والمادة (الخامسة) من نظام الإثبات تنص على أنه «لا يلزم لإثبات الالتزام شكل معين؛ ما لم يرد فيه نص خاص أو اتفاق بين الخصوم». وتجيز المادة (السادسة) منه الاتفاق على قواعد محددة في الإثبات ما لم يخالف النظام العام، بشرط أن يكون الاتفاق مكتوبًا.
وما يُستند إليه في الدعوى التجارية أوسع من العقد:
- المراسلات: المادة (الثلاثون) من نظام الإثبات تجعل «للمراسلات الموقع عليها أو الثابت نسبتها إلى مرسلها؛ حجية المحرَّر العادي في الإثبات، ما لم يثبت المرسل أنه لم يرسل الرسالة ولم يكلف أحدًا بإرسالها».
- الدليل الإلكتروني: المادة (الخامسة والخمسون) من نظام الإثبات تجعل للإثبات بالدليل الرقمي حكم الإثبات بالكتابة، والمادة (الرابعة والخمسون) تعدّ من الدليل الرقمي السجل الرقمي والمحرر الرقمي والمراسلات الرقمية بما فيها البريد الرقمي ووسائل الاتصال.
- مستندات الخصم: المادة (السادسة والثلاثون) من نظام الإثبات تمنح كل طرف في الدعاوى التجارية حق طلب ما لدى الطرف الآخر من مستندات ذات صلة، بشرط أن تكون محددة بذاتها أو بأنواعها وذات علاقة بالتعامل وغير سرية. وإذا امتنع الطرف عن تقديم ما أمرت المحكمة بتقديمه «فللمحكمة أن تعد امتناعه قرينة».
- العرف التجاري: المادة (الثامنة والثمانون) من نظام الإثبات تجيز الإثبات بالعرف أو بالعادة بين الخصوم فيما لم يرد فيه نص خاص أو اتفاق، والمادة (التاسعة والثمانون) تنص على أنه «على من يتمسك بالعرف أو العادة بين الخصوم أن يثبت وجودهما وقت الواقعة».
ويبقى حدٌّ يجب الانتباه إليه: نظام الإثبات الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/43) وتاريخ 1443/5/26هـ ينص في المادة (السادسة والستين) على أنه «يجب أن يثبت بالكتابة كل تصرف تزيد قيمته على (مائة ألف ريال أو ما يعادلها) أو كان غير محدد القيمة»، ولا تُقبل شهادة الشهود في إثبات وجودها أو انقضائها ما لم يوجد اتفاق أو نص بخلافه.
الغياب والشطب
من رفع الدعوى ثم تهاون في الحضور يخسرها إجراءً لا موضوعًا. فالمادة (الحادية والثلاثون) تجيز للمحكمة عند غياب المدعي بلا عذر مقبول الحكم في الدعوى بناءً على طلب المدعى عليه إذا كانت صالحة للحكم، وإلا قررت شطبها. وللمدعي طلب السير فيها «خلال (ثلاثين) يومًا من تاريخ الشطب»، فإذا انقضت المدة دون طلب حكمت المحكمة من تلقاء نفسها باعتبار الدعوى كأن لم تكن.
بعد الحكم: مهل الاستئناف
المادة (الحادية والستون) توجب تحديد موعد لتسليم صورة من نسخة الحكم بعد النطق به، «على أن يكون التسليم خلال مدة لا تتجاوز (عشرين) يومًا من تاريخ النطق به». وعلى هذا التاريخ تُبنى مهلة الاعتراض.
والمادة (التاسعة والسبعون) تحدد المهلة بـ«(ثلاثين) يومًا من التاريخ المحدد لتسليم صورة نسخة الحكم»، وتجعلها «(عشرة) أيام» في الأحكام الصادرة في الاختصاص وفي الدعاوى المستعجلة. وتنص على أن الحكم النهائي الصادر في اختصاص المحكمة نوعيًّا أو مكانيًّا لا يقبل الاعتراض بأي طريق.
وقبل ذلك يُراجع أصل القابلية للاستئناف: المادة (الثامنة والسبعون) تعدّ جميع الأحكام الصادرة من الدوائر الابتدائية قابلة للاستئناف «فيما عدا الدعاوى اليسيرة التي لا تزيد على خمسين ألف ريال، وفق ما يحدده المجلس». فمن رفع مطالبة يسيرة ينبغي أن يعلم أن حكمها قد يكون نهائيًّا بدرجة واحدة.
ما يُجهَّز قبل القيد
- الإخطار الكتابي بأداء الحق وما يثبت وصوله، مع حساب مهلة الخمسة عشر يومًا.
- حصر رقمي للطلبات: أصل المبلغ منفصلًا عن ملحقاته، وكل طلب مسندًا إلى مستنده.
- ملف مستندات مرتب زمنيًّا: أمر الشراء، التسليم، الفواتير، المحاسبة الجارية، المراسلات.
- ما يثبت صفة من يمثل المنشأة ونطاق تخويله.
- تحديد تاريخ نشوء الحق، لا تاريخ آخر مطالبة.
- قائمة بالمستندات التي تحت يد الطرف الآخر ويُراد طلبها، محددة بذاتها أو بأنواعها.
- بيان الاختصاص المكاني بحسب أحكام النظام أو اتفاق الطرفين الكتابي.
الخلاصة
الدعوى التجارية نظام مواعيد قبل أن تكون نظام حجج. والإخطار يسبق القيد بخمسة عشر يومًا، والدفوع تُبدى مجتمعة قبل الجلسة بيوم، والمطالبة لا تُسمع بعد خمس سنوات من نشوء الحق إلا باستثناء، والاعتراض يُحسب من التاريخ المحدد لتسليم صورة نسخة الحكم.
ومن ضبط هذه المواعيد قبل القيد ناقش الموضوع. ومن أهملها ناقش الإجراء.
المصادر الرسمية
روابط إلى الجهات الرسمية، تُفتح في نافذة جديدة
أسئلة حول هذا الموضوع
لا توجد مدة واحدة لكل مقاولة. فالأصل في الدعاوى التجارية خمس سنوات مع استثناءات. والأصل في الحقوق المدنية عشر سنوات مع مدد خاصة أقصر. ويتحدد الحكم بطبيعة الحق والجهة المختصة وتاريخ نشوئه.
المصدرنظام المحاكم التجارية — المادة 24 (بوابة وزارة العدل)نظام المعاملات المدنية — المواد 295 إلى 297 (بوابة وزارة العدل)
للتوسعقبل رفع الدعوى في السعودية: خمس مسائل ينبغي مراجعتهاالدعوى التجارية: ما الذي يُجهَّز قبل القيد، ومتى يفوت وقت الدفع؟
يجوز إذا كان بينها رابط. فنظام المحاكم التجارية يمنع الجمع في صحيفة الدعوى بين عدة طلبات لا رابط بينها. ويجب أن تبين الصحيفة وجه الارتباط بين الطلبات عند تعددها. فإذا تضمنت طلبات لا رابط بينها حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى ما لم يحصر المدعي دعواه في أحدها.
المصدرنظام المحاكم التجارية — المادة 20 (بوابة وزارة العدل)اللائحة التنفيذية لنظام المحاكم التجارية — المادة 77 (بوابة وزارة العدل)
للتوسعالدعوى التجارية: ما الذي يُجهَّز قبل القيد، ومتى يفوت وقت الدفع؟
نعم. تنص المادة الأولى من نظام الإثبات على سريانه على المعاملات المدنية والتجارية. وقد ألغى نظام الإثبات الباب السابع الخاص بالإثبات من نظام المحاكم التجارية. فلا يصح الاستناد إلى نصوص ذلك الباب بوصفها نافذة. وفيما لم يرد فيه نص في نظام الإثبات تطبق على إجراءات الإثبات أحكام نظام المرافعات الشرعية أو نظام المحاكم التجارية بحسب الحال.
المصدرنظام الإثبات — المواد 1 و125 و128 (بوابة وزارة العدل)
للتوسعالدعوى التجارية: ما الذي يُجهَّز قبل القيد، ومتى يفوت وقت الدفع؟
نعم. يجوز الإثبات بالعرف أو بالعادة بين الخصوم فيما لم يرد فيه نص خاص أو اتفاق بين الأطراف وبما لا يخالف النظام العام. وعلى من يتمسك بالعرف أو العادة أن يثبت وجودهما وقت الواقعة. وللخصم أن يطعن في ثبوتهما أو يعارضهما بما هو أقوى منهما. وتقدم العادة بين الخصوم والعرف الخاص على العرف العام عند التعارض. وللمحكمة عند الاقتضاء ندب خبير للتحقق من ثبوت العرف أو العادة.
المصدرنظام الإثبات — المواد 88 و89 و90 و91 (بوابة وزارة العدل)
للتوسعالدعوى التجارية: ما الذي يُجهَّز قبل القيد، ومتى يفوت وقت الدفع؟
هذا المقال معلومات عامة للتثقيف القانوني، ولا يقوم مقام دراسة الوقائع والمستندات في حالة بعينها، ولا تنشأ بقراءته علاقة توكيل.
استشر في هذا الموضوعأو راسل الرقم مباشرة: 0558987102
واتساب